منطق رافضي دعوات وحدة المسلمين

Last Updated: 2024/04/26By

منطق رافضي دعوات وحدة المسلمين

د. علي المؤمن

هناك من الجانبين الشيعي والسني، من يرى بأنّ دعوات الوحدة والتقريب هي دعوات خيالية وصعبة، بل مستحيلة، لأن الشيعة والسنة لن يتوحدا ولن يتقاربا. ويرى كل من الفريقين الرافضين أنّ الحق المطلق معه، وأن الفريق الآخر على الباطل المطلق، وبالتالي؛ لا يمكن جمع الحق والباطل في إطار وحدودي واحد. والحقيقة أنّ هذين الفريقين، هما اللذان يتعاملان مع موضوع الوحدة الإسلامية تعاملاً خيالياً وينظران إليها نظرة جامدة طوباوية، ويدافعان عن معتقداتهما دفاعاً انفعالياً هجومياً، وكأنهما يريدان الانتقام من الكينونات التاريخية، ويتصوران أن الوحدة تعني الاندماج العقدي والفقهي، وليس التعايش السياسي والتعاون الاقتصادي والتواد الاجتماعي.

ونموذج هذا الانفعال تجاه الآخر لدى فريق من الشيعة، ما يصدره من خطاب فتنوي تحريضي تاريخي، يعمل على تمزيق النسيج الاجتماعي للمسلمين، وخاصة الخطاب الذي يصدر من بعض الجماعات الشيعية المقيمة في أوروبا، وهي جماعات تمارس الدور الفتنوي التكفيري نفسه مع الشيعة ونظامهم الاجتماعي، وتشتم مرجعياتهم، وتناهض الخطاب الإسلامي الشيعي التعايشي الاجتماعي المعتدل، بحيث يبدو هذا الفريق  وكأنه أكثر حرصاً على التشيع من السيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي والسيد الحلي والشيخ كاشف الغطاء والسيد الحكيم والسيد الخميني والسيد الصدر والسيد السيستاني والسيد الخامنئي؛ الأمر جعل الشيعة يصفون هذه الجماعات بــ (وهابيي الشيعة)، لأنهم يستخدمون الخطاب التكفيري نفسه، سواء مع الشيعة أنفسهم أو السنة.

وهكذا بالنسبة للفريق السني الرافض للوحدة والتقارب، والمتمثل بالجماعات الوهابية التكفيرية والجماعات الطائفية المتطرفة الأُخر؛ فهي تكفر الشيعة، وتعتبر أن الوحدة معهم مستحيلة، لأنهم (كفار)، والتعايش معهم مستحيل، لأنهم (متآمرون مع اليهود ضد المسلمين)، كما أنهم يكفرون أو يصفون من يعمل على التقارب مع الشيعة، بأنه كافر أو منحرف العقيدة. وإذا كان الفريق الشيعي الرافض للوحدة والتعايش هو حديث عهد وجديد على الواقع الشيعي؛ فإن الفريق السني قديم، ويستمد نصوصه وتفسيراته ومواقفه من العصور الأموية والعباسية والأيوبية والعثمانية، ومن فقهائها، من ابن تيمية ونوح العثماني وصولاً الى محمد عبد الوهاب وابن باز، وهي نصوص وتفسيرات تعارض مع الخط السني العام المعتدل، وبالتالي يصوِّر هذا الفريق نفسه بأنه هو الذي يمثل الإسلام وليس الإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي والإمام مالك، وليس الشيخ المراغي والشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت، على اعتبار أن هؤلاء الأئمة والشيوخ فتحوا صدورهم للتقريب والوحدة بين السنة والشيعة.

ونموذج هذا الاتجاه، هو ما تضمنه مقال «لا يا دعاة التقريب»، بقلم الدكتور علي بن السيد الوصيفي، والمنشور في مجلة التوحيد (القاهرية) في عددها السابع للسنة الثلاثين (2001)؛ إذ دعى إلى الوقوف بحزم بوجه أي مسعى لوحدة الأمة الإسلامية والتقريب بين مذاهبها، مستهدفة بذلك استهدافاً مباشراً الاجتماع التقريبي الخاص الذي عُقد في القاهرة، بحضور علماء ومثقفين من إيران ومصر ولبنان وعمان، وفي مقدمهم: شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي الذي كان يترأس الجانب السني، والشيخ محمد علي التسخيري الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، الذي كان يترأس الجانب الشيعي. وكان من أبرز الحضور مفتي الجمهورية المصرية الشيخ نصر فريد واصل ووزير الأوقاف المصري الدكتور حمدي زقزوق والفقيه الإيراني الشيخ واعظ زاده خراساني ومدير عام المجلس الشيعي في لبنان ومفتي عمان الشيخ. وكنت شخصياً حاضراً في الاجتماع مع الجانب الشيعي، وقدّمتُ ورقة بحثية فيها، كما كتبت رداً على المقال المذكور، نشرته في مجلة رسالة التقريب في العام 2001.

والحقيقة أن الإشكالات التي يفرزها منطق رافضي التقارب والتعايش والوحدة بين المسلمين الشيعة والسنة، هي تكرار للمقولات التي ظل (دعاة تمزيق واقع المسلمين) يرددونها منذ العصر الأُموي وحتى الآن، وقد عملوا خلال العقود الأخيرة، عبر كل وسائل الفتنة، على تعميق الفجوة الاجتماعية والسياسية والنفسية والفكرية بين المسلمين، وهي الفجوة التي تسببت فيها عوامل تاريخية معقدة، ولكن يمكن تجاوزها بالحوار والوقوف عند المشتركات والمصالح؛ فقد ذهبت الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين من الشيعة والسنة ومختلف المذاهب الإسلامية، على أن الآلية الكفيلة بتقريب وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية؛ بهدف تقليص هذه الفجوة، هي آلية الحوار، التي دعا إليها القرآن الكريم وعرض مئات النماذج لها؛ فإذا كان القرآن الكريم يدعو الى الحوار بين المسلمين والنصارى: «قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم»، «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن»؛ فكيف بالحوار بين أتباع الدين الواحد والكتاب الواحد والقبلة الواحدة والأصول الواحدة؟!

فلماذا يستكثر الفريقان الفتنويان على علماء المسلمين بأن يتحاوروا؛ ليقربوا بين مذاهبهم ويوحدوا صفوفهم ويعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولا يتفرّقوا؟!، ولماذا يستكثران على عامة المسلمين أن يندمجوا ببعضهم في إطار الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية، ودفع المفاسد عن المسلمين وجلب المصالح لهم، والدفاع معاً عن مقدرات الإسلام والمسلمين ضد الغزوات والحروب والحصار والاستكبار والهيمنة الأجنبية؟! وقد جرّب المسلمون الصراع الطائفي خلال تاريخهم الطويل، في قبال الحوار، وكلفهم ذلك أنهاراً من الدماء، ليس بين السنة والشيعة فحسب، بل بين أتباع المذاهب السنية أنفسها، وظلّ هذا الصراع يكلفهم أيضاً الكثير من العناء والمشاكل والجهد، وهو الجهد الذي كان ينبغي أن يوفرونه للمعركة مع أعداء الإسلام، الذين يستهدفون جميع المسلمين دون تمييز، ويوفرون هذه الجهود لمعركتهم الحضارية، التي بدأنا نخسرها شيئاً فشيئاً.

بيد أن رواد التقارب والوحدة من علماء المسلمين في القرن الميلادي الماضي، تنبّهوا إلى حقيقة الواقع الإسلامي وقدّروا عمق الفاجعة التي تتسبب فيها الفرقة بين المسلمين، وتداعوا إلى إحداث آليات منتجة نسبياً لمواجهة التفرقة والفتنة، وكان من أبرزها «دار التقريب» في القاهرة. ثم بعد مضي عدة عقود على هذه التجربة الرائدة، نهض مؤتمر القمة الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي فيما بعد)، ومجمع الفقه الإسلامي ومنظمة (الايسسكو) والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية وغيرها، بهدف وضع إستراتيجية للتعاون الإسلامي السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وللتقريب والوحدة، بما ينسجم مع حجم الوعي الإسلامي المضاد للطائفية، والذي أخذ بالتبلور في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.

صحيح أن المشاريع التي تبادر إليها بعض الأنظمة السياسية أثبت عدم إنتاجيتها، لكنها تبقى أفضل من التخندقات الطائفية وتحالفات الفرقة والفتنة والعدوان على فئات من المسلمين. أم المشاريع التي تقوم بها المؤسسات الدينية والثقافية؛ فهي ذات إنتاجية نسبية، وإن كانت محدودة؛ فهي بالتالي؛ تمثل مساعي وتجارب ينبغي تطويرها وتنميتها، وتحويلها الى محاور للتقارب الاجتماعي ووحدة الخطاب، والى ثقافة تتبناها منظمات المجتمع المدني، لكيلا تبقى محصورة في مؤسسات علماء الدين والنخب الدينية، من أجل تحقق غايات إيجاد البديل الحضاري الإسلامي الذي ينفتح على البشرية جمعاء، كمنهج للحياة، بعد أن يتمكن من فتح أبواب الحوار والانفتاح والتعايش والتعاون بين المسلمين أنفسهم.

والحقيقة أن التشكيك في نوايا أصحاب خطاب التقريب والتعايش والوحدة، أمرّ يتعارض مع بديهيات تعاليم الإسلام وقواعده الشرعية، وهكذا بالنسبة لمن يعلن عن الاعتراف بالتعبد بمذهب إسلامي غير مذهبه، كما فعل شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت، حين أفتى بشرعية التعبد بالمذهب الشيعي الإثني عشري، إذ قامت قيامة الوهابيين والطائفيين السنة ضد الشيخ شلتوت، وبلغ الأمر حد اتهامه بالخروج عن الإسلامي، كما أصدر الوهابيون رداً عليه عشرات الكتب والمقالات. في حين أن مدرسة آل البيت متمثلة بالمذهب الشيعي لا تحتاج الى اعتراف وإقرار بشرعيتها من أحد، لكن خطوة الشيخ شلتوت كانت مهمة في عملية التقريب وردم جزء من الفجوة النفسية والفكرية والاجتماعية، وهي كرامة له وإضافة لحسناته، لأنه أقرّ واقعاً قائماً وقضية مفروغاً منها؛ إذ أن فتواه لم تعط الشرعية للمذهب الشيعي، بل إنها عبرت عن عمق نظرة المرحوم الشيخ شلتوت وسعة أفقه وشجاعته وإيمانه بوحدة الأمة، وهو ما لا يريده رافضو التقريب، لأنها خطوة إيجابية تتعارض مع أهدافهم الفتنوية. وهكذا بالنسبة للمذاهب الإسلامية الأخرى؛ فإنها ليست بحاجة إلى أن يعطيها أحد، مهما بلغت مرتبته العلمية والدينية، اعترافاً أو أن يمنحها الشرعية.

وليس التقريب بين المسلمين ومذاهبهم، وسيلة للدعاية لمذهب معين، كما يذهب الى ذلك الجماعة الوهابية وغيرها من الجماعات السنية المتطرفة، التي تصوّر فكرة التقريب وآلية الحوار بأنها دعاية شيعية لجذب السنة، عبر آلية (التقية). في حين أن واقع العصور والعصر الذهبي الذي يعيشه الشيعة منذ عقود، يجعلهم ليسوا بحاجة إلى التقية؛ إذ أنّ واقعهم بات يسمح لهم بالتحرك بكل حرية، وبالتفكير بصوت عال، وطرح أفكارهم وآرائهم بكل شفافية، وهذه الآلاف، بل عشرات الآلاف من كتبهم ومدوناتهم، مطروحة في الأسواق والمكتبات، وبإمكان أي شخص الاطلاع عليها، فضلاً عن أنهم في الملتقيات وجلسات الحوار العلمي لا يجدون أي حرج في التعبير عن أدق أفكارهم في القضايا الكلامية والفقهية والتاريخية، وهي مدعاة اعتزازهم والتزامهم؛ لأنهم يعدون أفكارهم طريقهم إلى اللّه تعالى. وهكذا بقية المذاهب الإسلامية؛ فكل مذهب يعتبر أن ما توصل إليه من أفكار وآراء هو طريقه إلى اللّه، ولا يحق لأي إنسان التشكيك في ذلك.

 

latest video

news via inbox

Nulla turp dis cursus. Integer liberos  euismod pretium faucibua

Leave A Comment