خرافة إسلام بلا مذاهب

Last Updated: 2024/04/14By

خرافة إسلام بلا مذاهب

د. علي المؤمن

هناك نخب فكرية وثقافية مسلمة ترى أن تحقيق التعايش المثالي بين المسلمين والتأسيس العميق للوحدة الإسلامية، يقوم على قاعدة إلغاء الفرق المذاهب الإسلامية، والاكتفاء بالانتماء للإسلام وشريعته كما كانت قبل نشوء الفرق والمذاهب. وهذه الرؤية ــ في الحقيقة ــ هي رؤية خيالية وطوباوية، ومن المستحيل تحقيقها، ولا تمتلك أي نصيب من الواقعية. وإذا كان إلغاء الفرق والمذاهب الإسلامية ممكناً ولو بنسبة مجهرية؛ فإن جميع أتباع الديانات الأخرى، المسيحية والبوذية والطاوية واليهودية والهندوسية سيتمكنون أيضاً من إلغاء مذاهبهم، التي تبلغ مئات المذاهب والفرق، وهو أمر مستحيل، سواء على مستوى الدين الإسلامي أو الأديان الأخرى، وكل منهم يرى أن الحق المطلق معه، وأن المذاهب الأخرى باطلة أو منحرفة أو مبتدعة.

وحتى لو افترضنا جدلاً أن إلغاء الفرق والمذاهب الإسلامية، ومعها أربعة عشر قرناً من التدوين الحديثي والروائي والاجتهادات التفسيرية والآراء الكلامية والفقهية، ثم الرجوع الى إسلام ما قبل الفرق والمذاهب، هو أمرٌ ممكن؛ فإن هذا الرجوع بحد ذاته، والاتفاق على شريعة واحدة بين المسلمين، أي أصول وفروع متفق عليها؛ سيتعرض إلزاماً الى القراءات الخاصة والاجتهاد المتعددة، وستتحول كل قراءة ــ بمرور الزمن ــ الى فرقة عقدية جديدة ومذهب فقهي جديد، ثم الى طوائف جديدة، ربما تكون أكثر بكثير مما عليه المسلمون اليوم.

إنّ وجود المذاهب والفرق والطوائف في الأديان والعقائد، أمر بديهي ومتجذر في الواقع الإنساني، ولا يمكن تجاوزه وتجنبه وتجاهله، بل لا ينفع أي جهد لمحاربته ومقاومته إطلاقاً؛ إذ تبدأ المذاهب والفرق بالظهور تدريجياً كلما ابتعد أتباع الدين عن زمن التأسيس والتشريع والنبوة، وهي تمثل – عادة – قراءات واجتهادات في ثوابت الدين وأصوله؛ فيما لو كانت أهداف الفقهاء والمتكلمين المؤسسين دينية وأدواتهم علمية، وفي النتيجة؛ يرى كل صاحب مذهب انه على الحق. وهذه سنة الله والتاريخ في الخلق. ويُستثني من قاعدة الاجتهاد والقراءة العلمية الدينية؛ أصحاب الأهداف الدنيوية السلطوية، الذين عملوا على تأسيس منظومات عقدية مبتدعة في الدين، تتعارض مع الدين نفسه، خدمة لأهدافهم السلطوية، ونماذجهم: السامري في اليهودية، وقسطنطين الأول في المسيحية، ومعاوية وآل أمية في الإسلام.

ولا يختص ظهور المذاهب والفرق بالإسلام والديانات السماوية، بل يشمل الفكر البشري الأرضي أيضاً؛ فكل مذهب فكري وضعي هو عرضة ليتحول تدريجياً الى مذاهب وطرائق، كلما ابتعد أتباعه عن زمن المؤسس والتأسيس، وربما تكون العقيدة الشيوعية ومذاهبها التي تمثل قراءات واجتهادات في فكر ماركس؛ دليل واضح على هذه الحقيقة.

ومن البديهي أيضاً أن تفرز المذاهب الكلامية والفقهية، بمرور الزمن، مجتمعات إنسانية خاصة بكل مذهب، وهذه المجتمعات تسمى الطوائف الدينية، وهي تمثل هويات اجتماعية دينية ضاغطة ومائزة، وهو أهم الظواهر التي يدرسها علم الاجتماع الديني. ولا يشترط في الانتماء لهذه المجتمعات أو الطوائف أن يكون الفرد فيها متديناً أو ملتزماً بالفرائض والطقوس، لكنه ينتمي انتماءً اجتماعيا للمذهب وليس انتماءً فرائضياً؛ بل وحتى ليس عقدياً أحياناً، وهذا هو أحد أهم الموانع أمام إلغاء المذاهب، وتجاوز حقائقها المتجذرة في الأرض.

 

 

latest video

news via inbox

Nulla turp dis cursus. Integer liberos  euismod pretium faucibua

Leave A Comment